السيد عباس علي الموسوي
26
شرح نهج البلاغة
( عارفا بقرائنها وأحنائها ) فإنه سبحانه يعلم بنفوس هذه الغرائز التي ألزمها أشباحها وعارف بجهاتها وسائر أحوالها المتعلقة بها والصادرة عنها . ( ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء ) وهذا تفصيل لمخلوقات اللّه وأن هذا الكون خلقه اللّه وابتدأه من لا شيء وقد أشار بعضهم إلى أن هذه العبارات تشير إلى معنى واحد . وهو الفضاء وأن لهذا الفراغ أبعادا ثلاثة علوا وأومأ الإمام إليه بالأجواء وأطرافا وهي مراده من الأرجاء وطبقات وعبر عنها بالسكائك . . ( فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره ) إنه سبحانه أجرى في أبعاد الكون الثلاثة المتقدمة ماء يضرب بعضه البعض ويعلو بعضه فوق بعض لشدة حركته فهو ليس ساكنا بل هائجا مضطربا . . ( حمله على متن الريح العاصفة والزعزع القاصفة ) ثم حمل الماء على الريح الشديدة القوية هذه الريح لشدتها تزعزع الأشياء عن أماكنها وتقصف الأشياء لشدتها فالماء على تلك الريح الهوج العاصفة . ( فأمرها برده وسلطها على شده وقرنها إلى حده ) واللّه سبحانه أمر الريح أمرا تكوينيا بقوله « كن » ، أمرها أن ترد الماء فلا يسيل أو يسقط وجعل لها القوة والسلطان في أن تشده إليها وتوثقه فلا يهبط كما جعل هذه الريح محيطة بجوانب الماء وأطرافه . . ( الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق ) فالهواء منبسط لا شيء تحته يحمله بينما الماء ينصب ويتدفق من فوقها . قال العلامة المجلسي : والغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط وهو موضع العجب . ( ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ) أي أنشأ وخلق فوق ذلك الماء ريحا عقيما لا تعطي ماء . . ( وأدام مربّها ) جعلها ملازمة لتحريك الماء . ( وأعصف مجراها ) أي جعل جريانها وهو حركتها شديدة قوية . ( وأبعد منشاها ) جعلها بعيدة المدى والمكان بحيث لا يعرف ثم سلطها على ذلك الماء .